المرأة في المسيحية رؤية كتابية وأبائية

كيف كرمت المسيحية المرأة وساوتها بالرجل روحياً؟ اكتشف النظرة الكتابية والآبائية لدور المرأة منذ فجر الخليقة، ومشاركتها الفعالة في الكنيسة الأولى

"إن المرأه قد خُلقت ايضاً علي صورة الله مثل الرجل تماماً، إن طبيعتيهما متساويتان في كل شئ وفضائلهما ايضاً علي التساوي، وإن كانت هناك فروق ما فهي خارجيه لأن نفسيهما متساويتان."

- القديس أثناسيوس الرسولي
رؤية سفر التكوين للخلقة (تك 1: 26 - 31):
وَقَالَ اللهُ: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ". فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا..." وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا.

خلق الله الصالح الانسان ذكراً وأُنثي دون تفرقة أحدهما، فأعطاهم نفس البركة وأخضع الخليقةُ لهما الاثنين ليحفظاها وينتفعا بها معاً. ولكن مع الأسف بمرور الوقت ونتيجة انتشار الشر في الانسان والثقافات الوثنية وسياسة البقاء للاقوي، أُهدرت حقوق المرأة وتشوه معني وجودها حتي انحصر في خدمة اغراض الرجل وتربية الاطفال.

وحتي في الكنيسة أنتهت رتبةُ الشماسات والأرامل لفترة طويلة جداً من الزمان وكأن المرأه ليست اهلاً للخدمه او ليست مستحقه لها، وهي التي اعطاها الله المشاعر القوية والحب والاحتواء والعطف وهو ما لا يوجد عند الرجل بنفس قوة وجوده عند المرأه. فلم يكن تأثير المسيحية قاصراً علي الرجال، بل تعداه إلي النساء. لقد رفعت المسيحية المرأة من مرتبتها الذليلة التي كانت عليها في اليهودية والوثنيه، إلي مكانة ممتازة ذات اهمية، فأضحت وارثة لنفس الخلاص مع الرجل (1بط 3: 7، غل 3: 28) وفتحت لها افاقاً لأنبل الفضائل.

حيث لم يكن للمرأة وضع وسط، فإما الحبس الكامل الذي ينطوي علي الكسل والبلادة، وإما الإنطلاق في حياة الجسد والخلاعة. لكن المسيحيه رفعت من قدرها وجعلتها عوناً للرجل.

محاور الموضوع:

  • المرأه في العهد القديم.
  • المرأه في حياة وخدمة المسيح.
  • خدمة المرأه في العصر الرسولي.
  • مساواة المرأه والرجل في فكر الاباء.

1 – المرأه في العهد القديم

يبدأ العهد القديم بسفر التكوين الذي يظهر بداية خليقة الله ونري فيه كيف ان الله خلق الانسان ذكراً وأُنثي علي صورة الله، وليس بلا سبب ذكر الله في التكوين كلمة ذكراً وأُنثي، فكان من الممكن ان يكتفي فقط بكلمة "إنسان" لتشمل الجنس البشري كله، ومع ذلك فقد اورد الله ذكر الذكر والأنثي خصيصاً حتي يقطع كل شك حول كرامة المرأة في فكر الله. ويكمل سفر التكوين في خلق المرأة بتعبير ان المرأة "معيناً للرجل ونظيره" ففي الرجل والمرأة يتوحد الجنس البشري لإن كلاهما يكتمل في الآخر والمرأة نظير الرجل وليست ادني منه في اي شئ.

وبعد ذلك تأتي قصة السقوط والتي كان لآدم فيها من خطأ ما لحواء تماماً، بل ان خطيئتهُ أعظم لإنه نال التعليم الالهي قبلها وعاش في الجنةِ قبلها. وقد وعد الله ان الخلاص سيأتي من نسل المرأه، والعجيب ان آدم لم يَلُم حواء بل اعطاها هذا الاسم (حواء = حياة = schavva) اعتزازاً بها وتمجيداً لها: "وأما المرأة فهي مجد الرجل" (1 كو 11: 7)، وكأنما آدم يتحدي الموت عندما سمي إمرأته (حياة او حواء) وصار له هذا الاسم عزاءً وتذكاراً لوعد الله إن من نسلها يخرج من يحطم رأس الشيطان ويغير عار سقطته.

وبعد ذلك نجد في العهد القديم نساء كثيرات صرن قويات بالنعمه الالهية قُمن باعمال خارقة:

"عندما رأت يهوديت المغبوطة ان مدينتها مُحاصرة، طلبت من الشيوخ ان يسمحوا لها بالخروج إلي معسكر الغرباء. عرضت نفسها للخطر حباً في وطنها وشعبها المُحاصر، فأسلم الرب هولوفرنيس إلي يد إمرأة (يهوديت 8). ايضاً إستير كاملة الإيمان عرضت نفسها لخطر لا يقل عن هذا من اجل خلاص الاسباط الاثني عشر من هلاك خطير... وقد نظر الله إلي تواضع روحها، فخلص الشعب الذي قدمت نفسها للخطر من اجل خلاصه."

- إكليمندس الروماني

"إذ ان إمرأة صارت قاضية، إمرأه وضعت الجميع في إنضباط، إمرأة تنبأت، إمرأة انتصرت، وإذ اشتركت في صفوف القتال علمت الرجال ان يحاربوا تحت قيادة إمرأة. ولكن هذا سر، فهذه هي معركة الإيمان وإنتصار الكنيسة."

- أمبروسيوس أسقف ميلان

أدوار قيادية وروحية بارزة:

  • تكلم الله مباشرة مع النساء فخاطب حواء (تك 3: 13) وتحدث إلي هاجر (تك 16: 8) كما خاطب أم شمشون (قض 13: 3).
  • اشتركت المرأة في الخدمة علي باب خيمة الإجتماع (خر 38: 8).
  • قادت أخت موسي الشعب في موسيقي النصر (خر 15: 21) والنساء كُنَّ يقمن بالغناء في بيت الرب (1اخ 25: 5 – 7).
  • كانت المرأة مطالبه بحفظ الشريعة (يش 8: 35) وفي عصر القضاة اختيرت دبوره قاضية (قض 4: 8) وقد كانت مهمة القضاء مهمة مدنية دينية.
  • قادت دبوره جيشاً لمحاربة باراق، وكانت إلي جانب ذلك نبية. وكانت خلدة النبية مستشارة للقيادة الروحية والسياسية (2مل 22: 14).

2 – المرأه في حياة وخدمة السيد المسيح

تعامل السيد المسيح مع المرأه بطريقة تحدي بها عصره. دُهش التلاميذ إذ رآوه يتحدث مع السامرية علانية (يو 4: 27). ولم يُبال السيد المسيح بأن تلمسه نازفة الدم التي كانت حسب الشريعة تُحسب دنسه (مت 9: 20 – 22) وسمح للمرأة الزانية ان تقترب منه في بيت سمعان الفريسي (لو: 7: 37). كما سامح الزانيه التي كانوا يريدون رجمها (يو 8: 11).

انه لم يتردد عن التخلي عن حرفية الناموس الموسوي ليؤكد المساواة بين الرجل والمرأة في حقوقهما وواجبتهما بخصوص الرباط الزوجي. لم يكن في صحبته الاثني عشر تلميذاً فقط، وإنما جماعة من النسوة (لو 8: 2 – 3). وعلي خلاف العقلية اليهودية في ذلك الحين، قدم للمرأة امتياز ان تكون اول من يشهد لقيامته.

هذا وقد رفع من شأن المرأة بإختياره امرأة لتكون اماً له، يتجسد في احشائها وتلتصق في حياته، تفوق كل البشر وتسمو علي السمائيين. كثيراً ما كرَّم المرأة في احاديثه وامثاله، فشبه ملكوت الله بخمس عذاري حكيمات، وبإمرأة اخذت خميرة، وتحدث عن المرأة التي فرحت بوجود الدرهم المفقود، واشار الي ملكة سبأ.

"فلم يمتنع الرب عن الحديث مع إمرأة، لكن كعادته منح حبه لجميع البشرية وهو اعتني ان يُظهر بهذه الحادثة انه طالما يوجد خالق واحد فيتحتم ان لا يكون وقفاً علي الرجل فقط."

- القديس كيرلس السكندري

التوازي بين الرجل والمرأة في إنجيل لوقا:
نجد في إنجيل القديس لوقا انه يسرد روايات متوازيه تخص رجل وإمرأه معاً، لكي يؤكد علي وجودهما معاً، وأنهما متساويان امام الله بالنعم والعطايا والواجبات، ويمكن تلخيصها في هذا الجدول:

الرجل المرأة الشاهد الكتابي
زكريا الكاهن أليصابات (لو 1: 5)
سمعان الشيخ حنة النبية (لو 2: 25 - 28)
نعمان السرياني أرملة صرفة صيدا (لو 4: 25 - 28)
شفاء الممسوس شفاء حماة بطرس (لو 4: 31 - 39)
سمعان الفريسي المرأة الخاطئة (لو 7: 36 - 50)
السامري الصالح مريم ومرثا (لو 10: 29 - 42)
الإنسان وحبة الخردل المرأة والخميرة (لو 13: 18 - 21)
الراعي والمائة خروف المرأة والعشرة دراهم (لو 15: 1 - 10)
القاضي الظالم الأرملة اللجوجة (لو 18: 1 - 14)
تلميذي عمواس النساء عند القبر (لو 24)

وهكذا نجد في حياة المسيا إلي جانب العذراء يقدم لنا الإنجيل مجموعه كبيره من التلميذات والمُحبات إلتففن حول الرب وخُلِدت اسماؤهن... من بينهن مريم زوجة كلوبا وسالومي ومريم المجدلية. وقد تغني الكثير من الاباء بفضائل تلميذات الرب ومنهم المجدليه التي قيل فيها:

"(مريم المجدلية) هذه التي كانت قبلاً خادمة للموت قد تحررت الان... بخدمة صوت الملائكة القديسيين وبكونها اول كارز بالاخبار الخاصة بسر القيامة المُبهج."

- إكليمندس السكندري
رفع اللعنة:
بعد القيامه المجيده جائت إليه التلميذات فقال لهنَّ (سلام لكنَّ)، وعن هذه الكلمة يقول كيرلس عمود الدين: "إنها صادرة من نفس الإله الذي أصدر الحكم باللعنة، وهي كلمة تعني أن الجنس النسائي قد نال البراءة من العار وكذلك بطلت اللعنة... وذلك لإن الذي قال للمرأة في القديم (بالوجع تلدين اولاداً) هو الذي خلصها من البليه بأن قابلها في البستان وقال لها (سلام)."

3 - خدمة المرأه في العصر الرسولي

بعد صعود المسيح وإرسال الروح القدس تعمدت النساء وامتلأن من الروح القدس كما الرجل وجميعهم نالوا مواهب الروح الواحد معاً دون تفرقة وجالوا يكرزون ويبشرون بالكلمه.

وفي فترة بين القيامة وحلول الروح القدس كانت اجتماعات الصلاة التي يعقدها الرسل في علية صهيون تواظب عليها النساء والعذراء مريم (اع 1: 14)، بل أن هذه العليه التي اصبحت اول كنيسة مسيحية في العالم كانت في بيت إمرأة وهي مريم أُم يوحنا المُلقب مرقس (اع 12: 12)، ومنذ البداية سُمِحَ للمرأة في حدود مُعينه ان تشترك في خدمة الكنيسة.

خارج أورشليم نقرأ عن طابيثا في يافا الممتلئة اعمالاً صالحة، وبنات فيلبس المُبشر الاربع اللائي كُنَّ يتنبأن في قيصرية، ويحدثنا مار بولس عن افوديا وسنتيخي اللتين جاهدتا معه في الانجيل، ويُشير في رسالته إلي اهل رومية عن خدمة النساء فيذكر مريم، وتريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب، وبرسيس المحبوبه. وفي كنيسة كورنثوس وجدت اثنتان من أنشط نساء العصر الرسولي خدمة هما برسكيلا وفيبي.

"ان الرسل الذين سلموا انفسهم إلي عمل الكرازه كما يليق بخدمتهم اخذوا معهم نسائهم، لكن لا كزوجات بل كأخوات، لكي يشتركن في الخدمة معهم (سواء بسواء) إنما في البيوت، للنساء اللائي يعشن في بيوتهن، وهكذا صار تعليم الرب يصل بواسطهن إلي اماكن النساء، دون ان يثير ذلك الشبهات."

- إكليمندس السكندري

"يشير بولس الرسول علي المرأة المؤمنة إن كان زوجها غير المؤمن لم يفارقها، فعلي المرأة هنا ان تبقي معه لان في هذا ربح عظيم. إذ تنصحه وتقنعه. لإن لا يوجد معلم يقدر علي ذلك هكذا مثل المرأة."

- القديس يوحنا ذهبي الفم

4 - مساواة المرأه والرجل في فكر الاباء

"واحدة هي الفضيلة عند الرجل والمرأة بما ان خلقهما أُحيط بشرف متساوٍ... فبما ان طبيعتهما واحدة ولهما نفس الافعال، فمكافئتهما يجب ان تكون ايضاً واحدة."

- القديس باسيليوس الكبير

"الطبيعة واحدة في كل فردٍ، وكل منهما قادر على ممارسة ذات الفضيلة. ليس للمرأة طبيعة بشرية وللرجل طبيعة أخرى. كلاهما لهما ذات الطبيعة وذات الفضيلة... المرأة كالرجل، يلزم أن تتعهد التعقل والعدالة وكل الفضائل الأخرى، سواء كانت حرة أم أَمَة، إذ توجد فضيلة واحدة مماثلة للطبيعة الواحدة المماثلة."

- إكليمندس السكندري

"رأينا بأعيننا نساء وفتيات احتملن عذاب الاستشهاد الطاغية في زهرة شبابهن، عندما أُضيف وهن الحياه إلي ضعف جنسهن."

- العلامة أوريجانوس

"إن كان الرجل هو رأس المرأة والرأس مساوٍ للجسد في الجوهر، ورأس المسيح هو الله فالإبن مساوٍ للآب في الجوهر."

- القديس يوحنا ذهبي الفم (عن مفهوم الرئاسة)

بل ان طبيعة المرأه تتفوق احياناً كثيره علي طبيعة الرجل في الجهاد الروحي:

"هل تستطيع طبيعة الرجال في وقت من الاوقات ان تدخل في منافسة مع طبيعة المرأة التي تقضي حياتها في معاناة الوان الحرمان. وهل يستطيع الرجل ان يقتفي اثرهن في التجلد علي الاصوام والحراره في الصلاة وغزارة الدموع والهمة في اعمال الخير... إن جنس المرأة يُجاهد بنفس قوية وشُجاعة، لذلك تُسجل أسماؤهن في قائمة المُجاهدات."

- القديس باسيليوس الكبير

"النساء ايضاً يدربون انفسهم بأنظمة جسدية لجهاد ضده (اي الشيطان)، ووصل الضعف بالشيطان لدرجة ان النساء انفسهن اللواتي خَدَعهُنَ قديماً يهزأن به الان كميت ومُنحل القويّ."

- القديس أثناسيوس الرسولي
نعم إن المسيحيه هي فلسفة نساء بقدر ما هي فلسفة رجال، لإن المسيح له المجد قد جاء ليفتدي الناس جميعاً. ثم ما قيمة الجنس؟ إنما رجال ونساء في هذا العالم فقط، أما في العالم الاخر فجميعنا ارواح قد تبررت بالفداء. فالجنس البشري يُلازمنا سنوات طالت او قَصُرت علي الارض، واللاجنس سيلازمنا إلي الابد. فما قيمة هذه السنوات إذا قيست بالابدية!
متابعة السلسلة
للاطلاع على كافة المقالات والأجزاء المنشورة ضمن هذه السلسلة، يمكنك العودة إلى صفحة الفهرس الرئيسية.

إرسال تعليق

اترك تعليقك لمساعدتنا على نشر المزيد