«فقال له يسوع الحق أقول لك أنك اليوم تكون معي في الفردوس»
(لو 23: 43)
مقدمة
لست أظن أن هناك وصفًا أقسي وألذع من وصف برنارد شو لجلسة ودرو ولسون في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وعلى جانبيه كليمنصو الفرنسي واللورد لويد الإنجليزي عند توقيع معاهدة الصلح مع ألمانيا، إذ قال عن الثلاثة: لقد جلس المسيح بين لصين، ومهما يكن من قسوة الكاتب الساخر في التعبير، فإنه لم يخرج عن دائرة الصواب، إذ كان ولسون باعتباره رجلاً مسيحيًا يريد أن يعيش العالم بالمبادىء المسيحية الصحيحة يجاهد وسعه الجهد لكي يكبح جماح الإنجليز والفرنسيين وهم يريدون الانتقام من الألمان، ووضعوا بذلك - عندما عجز عن كبح جماحهم - الأساس للحرب العالمية الثانية!!...
ولعله مما يجدر ملاحظته كثرة ظهور اللصوص في مسرحية الصليب، فهناك اللص الذي ارتدى ثياب الدين، والذي حول بيت الله إلى مغارة لصوص، ولم يكن قيافا أو حنان أو رجال الدين الذين قادوا الأمة في ذلك الوقت إلا اللصوص الذين اتخذوا من الدين ستارًا لأبشع السرقات وأحطها، وهناك بارباس الوطني الذي تحول لصًا، وأخذ المسيح مكانه يوم الصليب، وهناك اللذان صلبا عن يمين المسيح وعلى يساره.
وفي الحقيقة إن الصليب دائمًا يعري الناس ويمزق عنهم ثيابهم، ويظهرهم على حقيقتهم، وإن شئنا الدقة، فجميع الناس أمام المسيح لصوص سلبوا الله حقه والفرق بين لص وآخر، هو الفرق بين لص يتوب واخر يستمر في إثمه وشره للحظة الأخيرة!! وإذا كان هناك مثل يقول: «هناك طريق إلى الجحيم من باب السماء، لمن يرتد عن الإيمان، فإن العكس أيضًا صحيح فهناك طريق إلى السماء من باب الجحيم، وقد شاء الله في إرادته العظيمة العالية أن يجعل قصة اللص التائب نموذجها الخالد على مدى الأجيال.
اللص وحياته
ومن هو هذا اللص!!؟ أهو اللص الذي كان عن يمين المسيح أم عن يساره؟ لسنا نعلم، لأن الكتاب لم يحدد ما يذهب إليه التقليد من أنه اللص الذي كان عن اليمين، وربما جنح التقليد إلى ذلك على اعتبار أن السيد سيقيم الخراف المباركين عن اليمين، والجداء الملعونين عن اليسار، ولسنا نعمل أسمه ديسماس أم غير ديسماس، كما تقول التقاليد، وإن كنا نعلم بالتأكيد أن التعبير الذي استعمله متى ومرقس عن اللصين، يفيد أنهما كانا قاطعي طريق، والكلمة التي استعملها لوقا تعني «المجرم» ويشجع هذا على الظن بأنه كان من الحزب الثوري المعروف بحزب الغيورين، وربما كان باراباس من أبرز قواده، ومن المرجح أن اللصين اللذين صلبا كانا من أظهر معاونيه ومساعديه.
ومن الثابت أنه كان على علم ودراية بحياة المسيح لأنه يقول: «أما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله» (لو 23: 41) ولا يمكن أن يقول مثل هذا القول إلا من كان على دراية تامة بأعمال سيدنا، وقد تصور البعض أن حزب الغيورين، الذي كان يهمه أن يتعرف على أخبار السيد واتجاهاته، كان يرسله لمعرفة موقفه، حتي إذا بدأت الثورة على الطغيان الروماني، سارعوا إلى الوقوف إلى جواره، والسير في ركابه، والبعض يعتقد أن اللص ربما كان نتمي إلى بيت متدين.
تقليد قديم: هناك تقليد يقول إنه كان شابًا في أوائل شبابه، عندما تعرضت عائلة يسوع الطفل وهي في طريقها إلى مصر لمجموعة من اللصوص كان واحدًا منهم، ولكن منظر الطفل يسوع وجماله وبراءته أثرت فيه فإذا به يقول: «أيها الطفل المبارك إذا جاء يوم تظهر فيه رحمتك لي فاذكرني ولا تنسى ما عملته معك». وواضح أن هذا التقليد ليس له من سند يرتكز عليه، وإنما هو في واقع الحال الصدى أو الملامح المنعكسة عن الرواية الإنجيلية عنه!!
اللص وآلامه
ليس من السهل على الإطلاق أن نتحدث عن آلام اللص التي لاشك كانت من أهم العوامل في تغير حياته، والاتيان به إلى السيد في اللحظة الأخيرة وقد يظن البعض أن آلام الصلب، هي كل آلام الرجل وتعاساته، لكنها في الواقع كانت أعمق الآلام، ونهاية مجرى النهر الطويل من المتاعب والأحزان التي عناها، وها هو الآن وشمس حياته تسرع في الأغوار إلى الغروب، وقطرات الدم النازفة منه لا تكويه فحسب، بل تعد له العد التنازلي للساعات الباقية له على الأرض، ها هو يستعرض تاريخه بأكمله الذي يبدو كشريط متلاحق أمام عينيه، ممتليء بالتعاسة والشقاء!!
ترى ماذا كانت آلامه التي اجترها وهو فوق الصليب!!؟
- آلام الذكرى: ذكرى الطفولة البريئة قبل أن يخطو خطواته المتتابعة نحو الجريمة والشر.
- آلام المخدوع: الذي دخل الشباب بمثل عليا استهوته، وظن فيها الإنقاذ لوطنه وشعبه، فجرفه التيار إلى ما لم يكن يخطر له على بال.
- التورط في الآثام: الجرائم التي لم يجعلها قط في حسابه، ولكنه وجد نفسه غائصاً في مستنقعها إلى الهامة.
- ضياع الحياة: الحياة التي أدرك آخر الأمر أنها ضاعت وهي مقيدة بالمسامير في ساعاتها الأخيرة.
- عذاب العقوبة: العذاب الذي يشويه شيًا بالعقوبة الرهيبة التي جعلته على الصليب معلقًا بين السماء والأرض.
سار اللصان في الحياة على نهج واحد تقريبًا، ومع ذلك فالألم الذي صعد بأحدهما إلى السماء، هوى بالآخر إلى الجحيم! قد تقول إن هذا هو اللغز العجيب! ولكنه مهما يكن مطمعًا بالأسرار الإلهية، إلا أنها النعمة ولاشك التي لا يستطيع الذهن البشري أن يدرك عمقها وكنهها في حياة الناس، وتشكيل قصة الحياة والموت على النحو المثير الذي نراه في الفارق الأبدي بين اللص التائب واللص الهالك.
ألم يفعل ذلك منسى الملك القديم الذي عاث في الأرض فسادًا وملأ أورشليم دمًا، وكان الألم هو الوسيلة العظمى التي استخدمها الله في إرجاعه إليه فقال الكتاب عنه: «فلما تضايق طلب وجه الرب إلهه» (2 أخ 33: 12) وهل يرجع يونان إلى الله، وهو يملك حريته في الهروب إلى ترشيش، ألم يرجع إلى السيد بعد صلاته في بطن الحوت؟
اللص وإيمانه
كان إيمان اللص من أروع ما ارتقت إليه النفس المؤمنة في كل التاريخ، ولعله من الواجب التعمق في دراسة هذا الإيمان الذي لمع في قلب الظلام كما تلمع الدرة الفريدة في أعماق الليل:
على أن هذا الإيمان بلغ السمت والذروة وهو يؤمن بملك المسيح الأبدي، وهو معلق على الصليب. لقد كان اللص الآخر على استعداد أن يؤمن بالمسيح إذا أنزله عن الصليب، كما أن التلاميذ جميعًا تبعثر إيمانهم، لكن هذا اللص آمن بالمسيح ربًا وملكًا وهو فوق الصليب وفي قلب الإهانة والعار!! لقد آمن أنه سيقوم يومًا ما، وآمن أن المسيح المصلوب إلى جواره رب وملك وسوف يسود ملكه الأبدي!
اللص وخلاصه
حقًا هناك طريق إلى السماء من باب الجحيم، أو كما قال أوغسطينوس: «هناك حياة في نظرة واحدة إلى المصلوب»... ولابد أن المسيح في انقاذ الرجل من الجحيم لم يجعله استثناء من القاعدة، بل نموذجًا ومثالاً لحقائق ثابتة لا يمكن أن تسقط أو تضيع.
الخلاص الكامل
ومن الواضح أن هذا الخلاص شامل كامل، وإذا كانت كلمة الكفارة تعني الغطاء أو الستر، فإن صليب المسيح قد غطى جميع خطاياه الأصلية والفعلية والموروثة والتي اقترفها طوال حياته على الأرض. «طوبى للذي غفر اثمه وسترت خطيته، طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في روحه غش» (مز 32: 1 و2).
ولعله من المثير أن نلاحظ مع كامبل مورجان أن هذا الخلاص تم بدون فرائض أو معمودية أو أعمال على الإطلاق وبدون وساطة بشرية بين الخاطيء ومخلصه، وهذا يقضي قضاء كاملا على الزعم بأن دخول السماء لا يستطاع تحقيقه لمن لم تتح لهم فرصة المعمودية. لقد كان الإيمان بالقلب، والاعتراف بالفم، هما كل ما كان يملك الرجل أن يقدمه.
الخلاص في لحظة
على أن الأمر أبلغ وأعمق، متى أدركنا أن خلاص اللص تم في لحظة واحدة، والخلاص في الأساس لقاء النفس مع المسيح وتسليم الحياة له، ولم يعلق السيد نفس اللص لحظات من الزمن طالت أو قصرت، بل أكد له أن اليوم لن ينقضي حتى يلتقي كلاهما في الفردوس.
وتم كل هذا في لحظة عجيبة مذهلة دون أدنى شبهة أو تردد، وإذا كان هناك من فارق بين اللص وغيره من المؤمنين الذين يعيشون في صراع الحياة على الأرض، فهو أن التبرير والتقديس والتمجيد تمت جميعها في لحظة واحدة.
ولعله من الطريف أن نذكر هنا حوار الأسقف مول حول الكلمات اليونانية للخلاص:
| الكلمة اليونانية | المعنى والزمن |
|---|---|
| Sotheis (سوزيس) | تشير إلى الماضي وتعني التبرير الذي تم دفعة واحدة. |
| Sozomenos (سوزومنيس) | تشير إلى الحاضر في مكافحة الخطية والشر. |
| Sesosmenos (سوزوسمينس) | تشير إلى المستقبل عندما يعبر المؤمن إلى الأبدية سالمًا. |
الخاتمة
صلى أحد القديسين لله وهو يقول إن النعمة التي أعطيتها للرسول بطرس أعظم مني، والإحسان الذي قدمته للرسول بولس أعلى من أن أصل إليه، وكل ما أرجوه أن تمنحني الرحمة التي أعطيتها للص التائب.
«عندما تذهبون إلى السماء وتبحثون عن مكاني، فإني أقرب الناس إلى ليس بطرس أو بولس.. إن المكان الذي ستجدونني فيه هناك بجوار اللص الذي اتسع له غفران المسيح وهو يصيح: اذكرني يارب متى جئت في ملكوتك»